Home PORTRAIT الجار ملزوم بجاره “يا سيدة الحارة، يا جارتي لفّيني بوشاحك الأزرق وضمّيني!”
الجار ملزوم بجاره “يا سيدة الحارة، يا جارتي لفّيني بوشاحك الأزرق وضمّيني!”

الجار ملزوم بجاره “يا سيدة الحارة، يا جارتي لفّيني بوشاحك الأزرق وضمّيني!”

0
0

كتبت كلاريا الدويهي معوّض:


حزيناً تقصدها لتشكو اليها،
فرحاً تدخلها لتشكرها على نعمها،
مريضاً تزورها لتلمس حائطها وتلتمس منها الشفاء،
عندما تشعر بضيق تمّر عليها لتستمدّ منها القوة والإطمئنان والسلام الداخلي.
علاقة أبناء زغرتا بها علاقة وطيدة، عميقة ومترسخة في ضميرهم ووجدانهم ورثوها أبّاً عن جدّ وباقية معهم وفيهم.
إنها سيدة الحارة،
الكنيسة الصغيرة حجماً،
الكبيرة بعطاءاتها وعطاياها،
فهي الأم والأخت القادرة-القديرة والحنونة،التي تضّم في ثنايا حجارتها وجدرانها وتحت قبّة سقفها أسرار وهموم الكثيرين من أبناء زغرتا الذين يلجأون اليها، فمنهم من يقصدها عند الصباح قبل توجهه الى عمله ومنهم من يقصدها ظهراً وحتى عند المساء.
وثمّة من يمرّ بجانبها فيلمس حائطها ويتبارك منه فيشعر بالأمان وأنا واحدة منهم.


صباح كل ّ يوم وأنا متوجهة الى عملي في مكتب الوكالة الوطنية في سراي زغرتا أمرّ على هذه الكنيسة لأصلّي سريعاً فدائماً ما أجد الحركة ناشطة : أناس يدخلون وآخرون يخرجون وإن كان لا مناسبة دينية تبّرر هذه الحركة الاّ تجديد الإيمان بقدرتها وحنانها.
تاريخياً
نقلاً عن صفحة رعية اهدن زغرتا قيل :”أن هذه الكنيسة الصغيرة بحجمها كانت في البدء عبارة عن سوق بيت كبير ملك وقف زغرتا استعمله الأهالي مستودعًا لأدوات البناء عندما حاول الزغرتاويون بناء كاتدرائية جبارة في مروش الوقف سنة 1899 المحاذي لها وفي المكان القائمة فيه الآن كاتدرائية مار يوحنا المعمدان الجديدة التي قام بنفقاتها المرحوم ملك البذل والإحسان المرحوم قبلان مكاري الإهدني كما سنرى ذلك بالتفصيل في الأسطر التالية.
ولما أخفق المشروع لعدم وجود أموال كافية لتغطية نفقات المشروع، أوعزت السيدة آسة قرينة المرحوم سليم بك كرم إلى الخوري سعاده حنا ديب سعاده أن يستعمل هذا البيت معبدًا على اسم سيدة الحارة تقام فيه ذبيحة القداس والصلوات والاحتفالات الدينية المفروضة، بعد الحصول على إذن من المقام البطريركي الماروني. وهكذا أصبح هذا المعبد كنيسة صغيرة على اسم “سيدة الحارة ” يؤمها سكان حي الصليب الغربي المحرومين من كنيسة قريبة. وقد رمَمت هذه الكنيسة مرارًا ووسّعت وصنعت لها قبة صغيرة معلقة في جدارها الشرقي الخارجي وضع فيها جرس صغير وكما صنعوا لها مقاعد خشبية ومذابح صغيرة وجهزوها بأوان كنسية وكتب طقسية، وذلك بفضل تبرعات ونذورات الزغرتاويين المقيمين والمغتربين.
وقد أهملت اليوم هذه الكنيسة ولم تعد تقام فيها الاحتفالات الدينية من قداسات وزياحات وغيرها، بعد أن قامت بجانبها كاتدرائية مار يوحنا المعمدان الجبارة. وهذه الكنيسة سيدة الحارة معرضة للزوال رويدًا رويدًا. (إنتهى كلام الخازن)
ولكن وقف إهدن – زغرتا أبى أن تندثر هذه الكنيسة التي كانت بحالة يرثى لها فأخذ القرار بإعادة بنائها وليس ترميمها، وتم عرض المشروع على السيد يوسف اسحق معوض الذي كان عرض على الوقف سابقًا رغبته بعمل خير لراحة نفس ولده الشاب أنطوان. فوافق مسرورًا متبرعًا بكافة التكاليف. وإننا إذ نشكره على عطائه هذا، نسأل الله له ولزوجته ولعائلته التعزية والسلوان.ولولده الشاب أنطوان السعادة الأبدية مع العذراء مريم سيدة الحارة. فبفضل المؤمنين والمحبين لن يندثر مقامًا صلى فيه آباؤنا وأجدادنا ومجدوا الله وكرّموا العذراء مريم”

لهذه الكنيسة تأثير إيماني كبير في نفوس الزغرتاويين فحين تسلل المرض الى جسد الأستاذ في مادة الفلسفة في ثانوية زغرتا ميلاد رومانوس معوّض، هذه الشخصية المميزة ، هذا الرجل الأنيق الشكل، الباسم الوجه، المثقف والمؤدب، الذي وبعد فترة قصيرة من الزمن على معرفتي به علمت أنه أستاذ يعطي مادة الفلسفة ويحبه تلاميذه ويحترمونه لجأ الى سيّدة الحارة وناجاها وطلب حمايتها ورحمتها وقد تجلى ذلك بصلاة كتبها قبل أن يتغلّب عليه المرض :
“يوم ماتت القوافي وذبلت الأشعار وغابت الشمس ونام القمر بقيت الأحلام ولم أبق،
يوم تقرع الأجراس ويعبق البخور وترتل الترانيم لا يبقى سوى اسمك يا أمي، يا مريم ، اشلحي وشاحك الأزرق ضميني به فتتفتح الآفاق وتشرق الشمس وتنتعش الأحلام”.
أمّا المقطع الثاني فجاء فيه:” أمطرت السماء أم لم تمطر ،
انها تزورني فكيف لا أزورك يا مريم ،
يا أمّي في صباحي ومسائي ولك طول النهار بحنانك ضميني بعطفك احميني يا حبيبة ابنك يسوع،
يقال “الجار ملزوم بجاره ” يا سيدة الحارة ، يا جارتي لفيني بوشاحك الأزرق وضميني.”

أجيال تولد وأخرى ترحل وتبقى “سيّدة الحارة” الملجأ والملاذ الروحي لكثيرين والأذن التي تسمع وتحفظ وتحافظ على الأسرار والحضن الذي يمنح الأمان والإيمان.